طول الطريق للقاهرة كنت بتفرج على الطريق الزراعي المضلم، كان ده يوم 9 نوفمبر، بعد تلات أيام مفاوضات في البيت، انتهت المفاوضات بإني لأول مرة وأنا عندي عشرين سنة أقدر أسافر القاهرة لوحدي، وأقعد هناك كذا يوم. نزلت من القطر في محطة مصر، بجر شنطة إيدي وبتحاشى الشيالين وسواقين التاكسي اللي على رصيف المحطة. أول مرة أدور بعيني على باب الخروج من المحطة، التفاصيل دي ما بنعملهاش بنفسنا لما نكون مسافرين مع حد تاني.
عشرين سنة، بعتبر الرقم ده أجمل سن في حياتي، ومتأكدة إنها هتفضل من السنين المميزة في عمري. رقم شيك، بيخليك في مسافة في النص بالظبط، وبيديك مساحة تقول "أنا كبرت على كذا" أو "أنا لسه صغير"، إنت ومزاجك. وأنا كان مزاجي المرة دي أقول إني كبرت على إني ما أسافرش أحضر الورشة.
لما وصلت للفندق اللي كان قريب من رمسيس، كانت دي برضه أول مرة في حياتي أروح فيها أكلم الريسيبشنست بنفسي. "أنا عندي حجز"، وأطلع البطاقة. دي تفاصيل ما يحسهاش غير اللي بيعيشها لأول مرة. اتفرجت على الريسيبشن، والمطعم وأنا بتعشى جنب الشباك، السقف، الحيطان، وحاولت أقرا لغة المصمم الداخلي للفندق، عاش في سنة كام. المؤكد إنه فندق عريق، دي حاجة ما كنتش مضطرة أكون عارفاها مسبقًا عشان ألاحظها. الفنادق العريقة بتبقى مختلفة في كل حاجة، عشان كده بحب أنزل فيها، حتى لو كانت أربع نجوم، مش زي الفنادق الجديدة. حتى نوعية النزلاء بتختلف، لما ركبت الأسانسير، شفت أب وأم شباب وابنهم الصغير، لاحظت إن فيهم اختلافات عن اللي زيهم في نفس الطبقة. الحاجة اللي بينتلي كده هي طريقة اللبس. بنطلون الست نازل على واسع. دي حاجة انتهت من زمان، برغم كده فيه براندات مازالت متمسكة بخط الموضة الخاص بيها، ومهما انتشرت البنطلونات اللي نازلة على ضيق، أو أي موضة ما تعجبش المصممين، بيتجاهلوها تمامًا، وكذلك اللي بيشتروا من الماركات دي. عارفين إن الموضة دي اندثرت، لكن لسه بيحبوها، عارفين إن الفندق ده عريق، ودافعين فيه فلوس مش قليلة، ومفضلين ينزلوا فيه مع إنهم ممكن ينزلوا في فنادق مبهرة أكتر لمعظم الناس.
كانت دي الليلة الأولى في الفندق، من كتر مانا متحمسة ما عرفتش أنام إلا ساعة ونص. صحيت تاني يوم ستة الصبح، وبدأت رحلة البحث عن المركز، اللي لقيته بسرعة لإنه في نفس الشارع. دخلت، اخترت مكان فاضي في أوضة أشبه بقاعة المؤتمرات.
دخلت علينا مديرة المركز، اتكلمت عن الهدف من من إنشاء المركز والعمل المدني، وقدمت المحاضر الأول، وزير التنمية الإدارية السابق، بعيدًا عن التوجهات السياسية –اللي كان الجو العام بيتجنب الخوض فيها- محاضرته كانت محاضرتي المفضلة لحد دلوقتي.
It was into the point.
وأنا بشكل عام مفتقدة الشرح الثري في جامعتي الإقليمية، ده بالإضافة إنه اتكلم في الاقتصاد –من أكتر المواضيع اللي أنا مهتمة بيها- وعرض بشكل مباشر لأفكار ما كانتش واضحة بالنسبة لي، زي موازنة الدولة، التضخم، التنمية الإدارية. كنت حاسة إني hungry to know more وكإني بسمع مزيكا. نفس إحساسي لما بقرا للأسامي اللي بحبها، زي جلال أمين، فهمي هويدي، حتى لو ما عرفوش يقنعوني، ببقى عايزة أسمع أكتر.
المحاضر التاني كان بسام مرتضى, مدرب تصوير وفيديو، بيشتغل في المصري اليوم، تاني محاضرة into the point، ودي أكتر حاجة عجبتني في اليوم الأول. مفيش أي نوع من الاستطرادات اللي مالهاش لازمة. كل كلمة قالها في المحاضرة عن إزاي تظبط الكادر وتصور منين والأمثلة اللي عرضها للأفلام التسجيلية والفروق بين أنواع الفيديو المختلفة، كل تفصيلة كانت مهمة وبتفرق. في الآخر كلف المجموعة بإنها تعمل فيديو، أو بمعنى آخر تجمع مادة الفيديو متفرقة، ويوم الخميس هتبقى فيه قعدة مونتاج.
كنت معتقدة إني في أول يوم بعد ما أخلص هكتشف وسط البلد من منطلق إن "غاب القط، العب يا فار"، ما حصلش! ما كنتش نايمة يومها كويس ورجعت الفندق مرهقة. كتبت حاجات مش عايزة أنساها وعينيا بتقفل لوحدها. نمت والضباب مغطي النيل ومزيكة "ألف ليلة وليلة" طالعة من أوضة قريبة.

بتفكرينى بنفسى زمان لما كنت باسافر لاول مره فى حياتى :) استمتعت بالقرايه
ردحذف