"راضيين غصب عن بوزهم"
هكذا وصفت راجية من قرية أبو مناع حال أهل
قريتها, الاعتراف بالفقر في قريتها الفقيرة عيبا كبيرا, "فضيحة لستر
زوجها" حسب وصفها.
"ده أسرار بيوت والست لازم تحافظ عليها,
معنديناش أكل ولا شرب هنقول مبناكلش ولا بنشرب يعني؟ كده اكون بطلع سر جوزي, كل
واحدة مقضية نفسها بنفسها, عندها حامدة ربنا, معندهاش حامدة ربنا"
الرجال أكثر بوحاً
بعكس ما يشاع وعكس ما كنت أظن, كان الرجال
أكثر بوحا, وكان غضبهم المكبوت يقطر من أصواتهم, وكأنما وجدوا في الغرباء القادمين
من المدينة ملاذا آمنا لشكوى يخفونها عن أهلهم.
الأستاذ محمد من ميسوري قرية أنشاص الرمل,
يغبطه أهل القرية على حظه الوافر نسبيا من التعليم, وعلى وظيفته
"الألاجة".
كان غريبا أن يكون محمد أول من يبثنا همه: "أنا
موظف وخريج ومرتباتنا عدت ألف جنيه, لكن مبقدرش أتعالج في المستشفى, ولا اقدر
اجيب كل يوم ربع كيلو لحمة حتى! مقدرش أأكل ولادي عسل نحل أو لبن, أنا مش جاهل, يا
ريتني كنت جاهل ومعرفش ان ولادي محتاجين الحاجات دي عشان نموهم يكون سليم! مش
هتكلم عن اللبس, والله الألف جنيه متكفي احتياجاتنا الأساسية!"
كان الحق في العلاج غائبا عن كل القرى
بالتساوي, ففي قرية بركة غطاس أخبرتنا سيدة رفضت الإفصاح عن اسمها إن "العيشة
زانقة جامد, لو عيل تعب بيغيب يومين تلاتة على ما يكشف."
وقالت صديقتها "جوزي مثلا القبضية عمرها
ما تقضينا أكل طول الشهر, ومعانا عيلين, نعمل إيه؟"
المشاهدات في قرية السمطا قبلي كانت صادمة,
والحوارات كانت أشد أثرا, وصف لنا أبو رامي عاداته الغذائية ببساطة قائلا :
"نلاقي شوية رز الصبح نفطر بيهم, وان ملقيناش رز بايت بنستنى الطابور ونفطر
بشوية شاي مع العيش."
أما أهالي قرية الحبالصة فحزنوا لحال من يفطرون
"عيش حاف" وقالوا برضا حقيقي " لا احنا ممكن نجيب بربع جنيه فجل
نغمس بيه العيش, وماشية." وأضاف آخر "وممكن نكسر بصلة كمان وناكل!"
أما في أسيوط فكان القول الفصل ووجع الختام
"احنا لو جبنا بجنيه عيش نتعب باقي
الأسبوع."
تركت كل هذا وعدت لعالمي, حيث جارتي ترسل خادمتها مع السائق لتأتي لها بالتموين, آه والله! كيف نرتضي لأنفسنا دعما لا يصل للفقراء! كيف نبيت ليلتنا وعندنا زجاجة زيت لن يرهقنا دفع ثمنها كاملا ولا يحلم بها فقير؟
أربعة ملايين فقير يبيتون ليلتهم دون عشاء كي يحصل غير المستحقين على دعم لا يحتاجونه, هل ننتظر من الحكومة الانتقالية إلغاء البطاقات التموينية لغير المستحقين؟ هل تجرؤ الحكومة على ذلك؟ هل ندعو لحملة قومية للتنازل عن البطاقات التموينة لمستحقيها؟
أين الطريق إلى ترشيد الدعم كي يصل إلى مستحقيه؟ يبدو أن أمامي الكثير لأتعلمه, وإلى ذاك الحين ..
لنا لقاء آخر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق